محمد عبد الكريم عتوم
255
الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة
دول الخليج العربي ، وفي نفس الوقت تم التركيز على إحياء قوميات محددة ، كالفارسية والتركية والفرعونية والبربرية وغيرها ، وهو ما يؤكده أحد المستشرقين المعاصرين حيث يعترف بدور الأوروبيين المباشر في إحياء هذه القوميات لتشكيل هويات وطنية محلية مستقلة عن الهوية الإسلامية الجامعة في منطقة الشرق الأوسط ، وكذلك بلورتهم لمفاهيم سياسية جديدة مثل الوطن والشعب والقومية " أن شعوب المنطقة كانت تنظر بسلبية لماضيها ، وتعتبر نفسها غريبة عنه وعن أحداثه أو شخوصه أو إنجازاته ، وأن الاكتشاف الأوروبي لماضي المنطقة القديم ساعد على اكتشاف شعوب الشرق الأوسط لماضيها وتاريخها ، ودفع المصريين والإيرانيين إلى القيام بعملية إعادة تأهيل لتاريخهم القديم وشخوص ذلك التاريخ الفرعونية والساسانية وقد ساهمت عملية إعادة التأهيل تلك في تنمية الوعي القومي والوطني لتلك الشعوب وبروز هوية وطنية محلية مستقلة عن الهوية الإسلامية العامة " « 1 » وبالتالي فإن الباحث في تأصيل مفهوم المواطنة في العالم الإسلامي المعاصر ، يجد أنها اتخذت سيرورة مختلفة في العالم الإسلامي ، حيث أحدث تدخل الاستعمار قطيعة تاريخية في سيرورة الدولة الإسلامية وتقاليدها والتي كان أخرها مفهوم التابعية العثمانية والذي هو في حقيقته الترجمة الحقيقية للمواطنة في مفهومها الإسلامي . لكن معظم الفقهاء والمفكرين المسلمين المعاصرين ، من أهل السنة والجماعة والشيعة الإمامية ، يرفضون هذا الواقع المصطنع ، ويؤكدون على نفي العامل الجغرافي أو الدولة القطرية كأساس في تحديد مفهوم المواطنة ، انطلاقاً من مفهوم وحدة الأمة الإسلامية " فالمسلمون حيثما كانوا هم مواطنون في الدولة الإسلامية " « 2 » . ويتفق معه أيضاً مفكرو الشيعة المعاصرون ، حيث " إن المواطنة في المفهوم الإسلامي هي أوسع من الحدود الجغرافية للوطن الإسلامي ، فكل فرد مسلم يعتبر مواطناً بهذا المعنى ، لأنه عضو في الأمة الإسلامية ، له كل الحقوق والامتيازات مثلما عليه كل الواجبات والمسؤوليات . . . إن الانتماء للإسلام هو أساس هذه العضوية ، وكل الحدود
--> ( 1 ) - برنارد لويس ، 2001 ، الهويات المتعددة للشرق الأوسط ، ص 171 . ( 2 ) - المودودي ، 1977 ، ص 24 .